جلال الدين السيوطي
461
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
كان المسكر حلالا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) لكان يجب على العاقل رفضه وتركه بحجة العقل والاستحسان ، فإنّ شاربه محمول على كلّ معصية ، مدفوع إلى كلّ بليّة ، مذموم عند كلّ ذي عقل ومروءة ، يحيله عن مراتب العقلاء والفضلاء والأدباء ، ويجعله من جملة السّفهاء ، ومع ذلك ، فيضرّ بالدماغ والعقل والكبد والذهن ، ويولّد القروح في الجوف ، ويسلب شاربه ثوب الصلاح والمروءة والمهابة حتى يصير بمنزلة المخبّط المخريق والمشيج ، يقول بغير فهم ، ويأمر بغير علم ، ويضحك من غير عجب ، ويبكي من غير سبب ، ويخضع لعدوّه ، ويصول على وليّه ، ويعطي من لا يستحقّ العطية ، ويمنع من يستوجب الصلة ، ويبذّر في الموضع الذي يحتاج فيه أن يمسك ، ويمسك في الموضع الذي يحتاج فيه أن يبذّر ، يصير حامده ذامّا وأفعاله ملوما ، عبده لا يوقّره ، وأهله لا تقربه ، وولده يهرب منه ، وأخوه يفزع عنه ، يتمرّغ في قيئه ، ويتقلّب في سلحه ، ويبول في ثيابه ، وربّما قتل قريبه ، وشتم نسيبه ، وطلّق امرأته ، وكسر آلة البيت ، وقال كلّ غليظ وفحش ، يدعو عليه جاره ، ويزري به أصحابه ، عند الله ملوم ، وعند الناس مذموم ، وربّما تستولي عليه في حال سكره مخايل الهموم ، فيبكي دما ، ويشقّ جيبه حزنا ، وينسى القريب ، ويذكر البعيد ، والصبيان يضحكون منه ، والنسوان يفتعلن النوادر عليه ، ومع ذلك ، فبعيد من الله قريب من الشيطان ، قد خالف الرحمن في طاعة الشيطان ، وتمكّن من ناصيته ، وزيّن في عينه إتيان الكبائر ، وركوب الفواحش ، واستحلال الحرام ، وإضاعة الصلاة ، والحنث في الأيمان ، سوى ما يحلّ به عند الإفاقة من الندامة ، ويستوجب من عذاب الله يوم القيامة . فقال الرجل : والله إنّ قولك ووصفك له أعلق بالقلب من كلّ دليل واضح وبرهان لائح وحجة وأثر وقول وخبر . فقال له : لولا ذهاب الوقت ولا عوض له لاستدللت لكلّ خصلة ذكرتها ولفظة أوردتها بآية من كتاب الله ، أو خبر مأثور عن رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) حتى قلت : إنّ هذه الألفاظ مشتقة من ذلك مستنبطة منها ، ولكنّ الأمر في هذا أظهر وأشهر من أن يبيّن ويوضّح ، والله المعين على أمر الدنيا والدين .